الشيخ محمد رشيد رضا

136

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقد تقدم ان سبب معاملة المنافقين بظاهر اسلامهم هو ان امر السرائر للّه وحده ، فهو الذي يعلمها ، وهو الذي يجازي عليها ، ولا يباح لحاكم ولا لنبي ان يحكم على انسان بأنه يسر الكفر في نفسه ولا أن يتهمه بذلك ويعاقبه عليه . ولا يثبت الكفر على من ظاهره الاسلام الا باقرار صريح منه أو صدور قول أو فعل يدل عليه دلالة قطعية لا تحتمل التأويل كتكذيب القرآن أو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو جحود كونه خاتم النبيين لا نبي بعده ، والشرك باللّه بدعاء غيره ، وغير ذلك مما هو مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة لا يقبل فيه تأويل ، كجحود فرضية الصلاة والزكاة والصيام والحج ، أو استحلال الزنا والربا وشرب الخمر وأما حكمة ذلك وفائدته فهي أن من يلتزم شعائر الاسلام وأحكامه ولو بغير ايمان يقيني فإنه يرجى له بطول العمل ان ينشرح صدره للايمان ويطمئن به قلبه ، ويوقن به عقله ، وإلا كانت استفادته وافادته للأمة دنيوية فقط ( فان قيل ) إن مقتضى حرية الدين التي امتاز بها الاسلام في معاملة أهل الكتاب - إذ أقرهم على العمل بدينهم حتى فيما بين لهم أنهم خالفوا فيه ما جاء به رسلهم - ان يسمح للمنافقين بان يظهروا كفرهم ( قلنا ) ان الجمع بين اظهار كفرهم وحسبانهم من المسلمين لهم مالهم من الحقوق وليس عليهم ما عليهم من الواجبات ، تناقض لا يقول به عاقل ، ولا يحكم به عادل ، ومثلهم فيه كمثل من يسمح له بحقوق الجنسية السياسية الوطنية ولا يطالب بالخضوع لقوانينها ، ولا يعاقب على انتهاكها ومخالفة أحكامها ، وانما تكون حرية الدين المعقولة لأهله في دائرة محيطه بأن لا يحاسب أحدهم أحد على عقيدته ووجدانه فيه ، ولا اجتهاده في فهمه ، الا من طريق البحث العلمي ، وليس منها ان يخالف أصوله القطعية التي لا يكون المسلم مسلما بدونها ويعد مع ذلك مسلما ، وإذا ليس لأحد أن يطالب حكومته المتدينة بالسماح له بالخروج على دينها ، كما لا يصح له أن يطالبها بالسماح له بالخروج على قوانينها ، فتكون حريته هنا متعارضة مع حريتها هي وحرية أمتها ( فان قيل ) ان القرآن قد فضح بعض المنافقين في هذه السورة وحكم بكفرهم ولم ينفذ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم أحكام المرتدين عن الاسلام ، بل بقي يعاملهم هو وأصحابه